ابن عساكر

41

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

يا أمير المؤمنين ، ما يبكيك ؟ قال : هشام ، إن في الجسد مضغة إليها يأوي خيره وشره ، فأصلحوا قلوبكم تصلحوا ، فإنه لا عمل لمن لا نية له ، ولا آخر لمن لا خشية له ، وإن أيمن أحدكم وأشأمه لسانه ، فمن حفظ لسانه أراح نفسه ، وسلم المسلمون منه . وإن أقواما صحبوا سلطانهم بغير ما حق عليهم فعاشوا بخلاقهم ، وأكلوا بألسنتهم ، وخلفوا الأمة بالمكر والخيانة والخديعة . ألا وكل ذلك في النار . ألا فلا يقربنا من أولئك أحد ولا سيما خالد بن عبد اللّه ، وعبد اللّه بن الأهتم ، فإنهما رجلان بيّنان وبعض البيان يشبه السحر . ألا وإنّ كل راع مسؤول عن رعيته ، وكل وزير مأخوذ بجنايته ، ومعروض عليه قوله ، لا إقالة له فيه ، فمن صحبنا بخمس : فأبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ، ودلّنا على ما لا نهتدي له من العدل ، وأعاننا على الخير ، وترك ما لا يعنيه ، وأدى الأمانة التي حملها منا ومن جماعة المسلمين فحيهلا به ، ومن كان على غير ذلك ففي غير حل من صحبتنا ، والدخول علينا . ثم جاء مزاحم فقال « 1 » : يا أمير المؤمنين ، هذا محمد بن كعب بالباب ، قال : أدخله . فلما دخل - وعمر يمسح « 2 » عينيه من الدموع - قال : ما الذي أبكاك يا أمير المؤمنين ؟ قال هشام : فأخبرته الحديث « 3 » ، فقال محمد : يا أمير المؤمنين ، إنما الدنيا سوق من الأسواق ، فمنها خرج الناس بما ضرهم ، ومنها خرجوا بما نفعهم ، وكم من قوم قد غرهم مثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت ، فاستوعبهم ، فخرجوا منها ملومين ، لم يأخذوا منها لما أحبوا من الآخرة عدة ، ولا لما كرهوا جنة ، واقتسم ما جمعوا من لا يحمدهم ، وصاروا إلى من لا يعذرهم ، فنحن محقوقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نغبطهم بها أن نخلفهم فيها ، وأن ننظر إلى تلك الأعمال التي نتخوف عليهم منها أن نكفّ عنها ، فاتق اللّه يا أمير المؤمنين ، واجعل عقلك « 4 » في شيئين : انظر الذي يجب أن يكون معك إذا قدمت على ربك [ فقدمه بين يديك ، وانظر الأمر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربك ] « 5 » فابتغ به البدل حيث يوجد البدل ، ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك ، فاتق اللّه

--> ( 1 ) الخبر من هنا رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 5 / 313 في ترجمة عمر بن عبد العزيز . ( 2 ) في الحلية : فدخل ، ولم يمسح عينيه من الدموع . ( 3 ) في الحلية : فقال هشام بن مصاد : أبكاه كذا وكذا . ( 4 ) في الحلية : واجعل قلبك في اثنتين . ( 5 ) ما بين معكوفتين زيادة عن حلية الأولياء لاقتضاء السياق .